نصر حامد أبو زيد

213

الاتجاه العقلي في التفسير

( 4 ) يستدل خصوم المعتزلة على جواز رؤية اللّه عز وجل بآية أخرى لا يجد المعتزلة كبير عناء في ردها وتأويلها . هذه الآية هي قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ . والخلاف بين المعتزلة وخصومهم حول معنى الحجاب أولا ، ثم حول معنى مدلول الآية ومنطوقها ثانيا . فخصوم المعتزلة يرون أنه « لا معنى لرفع الحجاب إلّا الادراك بالعين وإلّا فالحجاب على اللّه تعالى بغير هذا التفسير محال » 229 أي أن الحجاب في رأيهم هو الحجب عن الرؤية ، ولا ينبغي أن يكون حجابا ماديا لأن ذلك محال في حق اللّه . ويستنتج خصوم المعتزلة من هذا المنطوق المباشر للآية مدلولا غير مباشر يوردونه على النحو التالي : « إن اللّه تعالى لما خصّ الفجار بالحجاب دل على أن المؤمنين الأبرار مرفوع عنهم الحجاب » 230 . أي أن الآية ، وإن كانت قد وردت في شأن الكفار فإنها تدل على أن حال الأبرار عكس ذلك . فإذا كان الكفار سيحجبون عن رؤية اللّه ، فإن الأبرار سيرونه . غير أن المعتزلة يرون أن هذه الآية تختص بوصف أهل النار « وليس فيه دليل على أن غيرهم بخلافهم ، فمن أين أن أولياء اللّه يجب أن يروا اللّه ؟ على أنّا قد بيّنا من قبل أن قوله ( لمحجوبون ) معناه ممنوعون من رحمة اللّه وثوابه ، وبينا أن الحجاب قد يكون بمعنى المنع على ما يقال إن الأخوة يحجبون الأم عن السدس ، فإذا صحّ ذلك ، وكان المراد به لممنوعون من رحمة اللّه فيجب أن يكون من خالفهم من أولياء اللّه غير ممنوعين من رحمة اللّه وثوابه ، وكذلك نقول . على أن ظاهر هذا القول يوجب أنه تعالى ممن يصح أن يحتجب ويحجب ، فيراه واحد دون آخر ، وهذا يوجب كونه جسما في مكان مخصوص ، وقد بيّنا فساد ذلك » 231 . ومعنى ذلك أن المعتزلة يقيمون تأويلهم للآية على أساسين : الأساس الأول أن الحجب بمعنى المنع لا الحجاب المادي الذي لا يجوز إلّا على الأجسام . والأساس الثاني أنهم ممنوعون عن ثواب اللّه ، فيكون قوله تعالى عَنْ رَبِّهِمْ المقصود به « عن ثواب ربهم » على أساس أن في الآية محذوفا على ما يقتضيه الدليل العقلي . وجدير بالملاحظة أن المعتزلة ، وإن كانوا منعوا خصومهم من الانتقال من منطوق الآية إلى مدلولها ، وأخذوا عليهم ذلك ، قد سمحوا لأنفسهم بهذا الانتقال ، ومن ثم استنتجوا من الآية أن « أولياء اللّه غير ممنوعين من رحمة اللّه وثوابه » . ولكن انتقال المعتزلة يظل مشروعا ومستندا لأدلة عقلية وسمعية كثيرة يوردونها في مواطن أخرى . أمّا انتقال الخصوم فيظل - على الأقل من وجهة نظر المعتزلة - انتقالا غير مشروع ، وليس مستندا إلى أدلّة العقل أو السمع .